المقريزي

113

المقفى الكبير

الدين بيدرا نائب السلطنة ، ولم يعبأ به وشاركه في متعلّقات النيابة ، واستبدّ عنه ، وعارضه فيما له فيه غرض . فلم يجد بيدرا بدّا من الاحتمال ، لما يعلمه من إفراط عناية السلطان به ، بحيث إنّ الوزير قام يوما من مجلس الوزارة بالقلعة في بعض أيّام المواكب ، وقصد الدخول إلى الخزانة السلطانيّة فصادف خروج الأمراء من الخدمة قدّام النائب ، فبادر أكابر الأمراء إلى خدمة الوزير ، وقبّل بعضهم يده ، وأخلوا له بأسرهم الطريق ، وهمّوا بالرجوع معه ، فما زادهم على أن أومأ إليهم لينصرفوا . وعندما وطئ عتبة باب القلعة ليدخله وافى الأمير بيدرا النائب ، فسلّم كلّ منهما على الآخر ، وأومأ بالخدمة . وكان النائب أكثر خدمة للوزير من خدمة الوزير له . ثمّ رجع النائب معه ومشى ، من غير أن يسامته في مشيته بل تقدّم يسيرا . وبقي يميل إليه بوجهه ويحدّثه حتى وصل معه إلى داخل الباب الثاني . فأمسك الوزير بيده وأشار له بأن يرجع ولم يزد على أن قال له : باسم اللّه ، يا أمير بدر الدين ! فلم يزل على حاله من التمكّن التامّ إلى أن خرج الملك الأشرف إلى الصيد بناحية البحيرة . فتقدّم الوزير من الطرانة إلى الإسكندريّة ليعبّئ القماش ويجهّز « 1 » الأموال . فكتب إلى السلطان يغريه بالأمير بيدرا النائب ، وأنّ نوّابه قد استولت على جميع ما في الثغر ، وأنّه لم يجد ما يكفي به التعابى الجاري بها العادة . فاشتدّ غضب السلطان على بيدرا ، وأخرق به حتى حمله ذلك على قتل السلطان كما ذكر في ترجمته « 2 » . فلم يشعر ابن السلعوس ، وقد شدّد في الطلب على أهل الإسكندريّة ، واشتدّ خوف أعيانها منه ، إلّا وقد وقعت بطاقة في آخر يوم السبت عاشر المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستّمائة من تروجة بقتل الملك الأشرف . فأخذها الأمير سيف الدين الجاكي متولّي الخبر وكتم الخبر حتى جنّ الليل . واستأذن على ابن السلعوس ، فلمّا دخل عليه قال له : ما الذي جاء بك في هذا الوقت ؟ هل ظهرت لك مصلحة يعود نفعها ؟ فقال : يا مولانا ، لم يخف [ 93 أ ] عن علمك أنّ أهل الثغر غزاة مرابطون ، وما قصد واحد له مقصوده « 3 » ، والذي يراه المملوك أن يحسن مولانا إليهم ، ويبسّط خواطرهم ، ويفرج عنهم . فسبّه أقبح سبّ وهمّ أن يوقع به ، فأخرج إليه البطاقة ، فلمّا قرأها سقط في يده وترفّق للوالي ، وصار يخاطبه فيقول : يا خوند ، بعد ما كان يسبّه ، فلم يؤاخذه الوالي بما كان منه إليه ، وأخذه إلى باب المدينة وفتح الباب ، وأمره فمضى ، وجدّ في سيره إلى أن نزل بزاوية للشيخ جمال الدين ابن الظاهريّ خارج باب البحر من القاهرة في الليل ، وبات ليله ساهرا لم ينم ، وركب سحرا إلى داره وجلس في دسته بهيبة ، فأتاه القضاة والأعيان للسلام عليه ، فجرى معهم على عادته من الكبر والتعاظم . واستشار من يثق به فيما يفعل ، فأشار عليه بأن يختفي حتى تسكن الفتنة ، وتستقرّ القاعدة ، فقال : هذا لا نفعله ، ولا نرضاه لعامل من عمّالنا ، فكيف نختاره لأنفسنا ؟ وبقي على حاله ، والناس تتردّد إليه خمسة أيّام . وكانت رسالة دور الملك الأشرف ترد على الأمير كتبغا ، وهو القائم حينئذ بأمر الدّولة ، تتضمّن الشفاعة في ابن السلعوس ، وأنّه لا

--> ( 1 ) في السلوك 1 / 788 نقلا عن النويري : ويحصّل . ( 2 ) ترجمة بيدرا المنصوريّ مرّت برقم 1009 وترجمة الأشرف خليل برقم 1397 . ( 3 ) كلام مطموس .